
عبد العزيز الخطابي

أنا مواطن مغربي…
أمازيغي…
وعمري. حسب التقويم الرسمي للانتظار. ثلاثة آلاف وتسعمائة وثلاث وثلاثون سنة ضوئية.
ولم أحصل حتى الآن على وظيفة.
لا أريد أن أصبح وزيرًا…
ولا سفيرًا…
ولا واليًا…
كنت سأرضى بحارس مكتبة. أو حارس مقبرة. أو حتى حارسًا لذاكرة هذا الوطن التي ضاعت بين المكاتب.
لكن يبدو أن المقابر أيضًا تحتاج إلى وساطة.
طوال هذا العمر. كنت أمرُّ أمام الإدارات العمومية كما يمر متسول أمام واجهات الذهب.
أبتسم للموظف…
فيبتسم لي الزجاج.
أطرق الأبواب…
فتفتح لي الريح.
أما الملفات. فتنام على الرفوف أكثر مما ينام الأطفال في حضن أمهاتهم.
لم أصبح أستاذًا جامعيًا. رغم أنني قضيت عمري بين الكتب.
ولم أصبح مديرًا. رغم أنني أدرت حروبي الصغيرة مع الورقة والقلم.
ولم أصبح مفتشًا. رغم أنني فتشت في التاريخ والفلسفة والسياسة عن سبب واحد يجعل الإنسان يشعر بأنه مواطن كامل.
حتى الأحزاب السياسية…
كانت تنظر إليّ كما تنظر الفنادق الفاخرة إلى رجل يحمل حقيبة مليئة بالمخطوطات بدل النقود.
كنت أظن أن الكتاب يفتح الأبواب.
ثم اكتشفت أن بعض الأبواب لا تفتحها إلا المفاتيح التي لا تُباع في المكتبات.
كتبت أكثر من أربعين كتابًا.
تركت أصابعي على الورق حتى كادت بصماتي تصبح حبرًا.
لكن أحدًا لم يسألني يومًا:
هل تعبت؟
هل تحتاج إلى كرسي؟
لا…
لأن الكراسي هنا لا تبحث عن العقول.
إنها تبحث عمّن يحرسها من الأفكار.
في هذا الوطن. الأشجار تكبر.
والإسمنت يكبر.
والمدن تكبر.
حتى ملفات الإدارة تكبر.
أما الكاتب. فيبقى بحجم توقيعه.
أحيانًا أشعر أنني ولدت في الطابور الخطأ.
كلما اقترب دوري. اخترعوا نافذة جديدة. ولجنة جديدة. وختمًا جديدًا. وانتظارًا جديدًا.
حتى صرت أشك أن الزمن اخترع الساعة خصيصًا ليقيس مدة انتظاري.
يقولون إن الوطن أم.
وأنا لا أكذبهم.
لكن يبدو أنني ذلك الابن الذي ضاع اسمه في دفتر الحالة المدنية. فظل واقفًا أمام الباب آلاف السنين. بينما كانت الأم تنادي أبناءها واحدًا واحدًا… إلا أنا.
لا أحمل حقدًا على أحد.
فالحقد يحتاج إلى طاقة. وأنا استهلكت كل طاقتي في الانتظار.
ولا أطالب بمعجزة.
أطالب فقط بأن يشعر الإنسان. وهو يمشي في شوارع وطنه. أن الأرض تعرف وقع قدميه.
أريد أن أشعر أن اسمي ليس خطأً مطبعيًا في سجل الوطن.
أن كتبي ليست أوراقًا هاربة من مطبعة.
أن سنوات عمري لم تكن رحلةً بين نافذة وأخرى. وختم وآخر. ووعد وآخر.
لقد بلغت من العمر ثلاثة آلاف وتسعمائة وثلاثًا وثلاثين سنة ضوئية…
وما زلت. كل صباح. أقف أمام الوطن كما يقف عاشق أمام باب حبيبته. يحمل وردة ذابلة. ويقول في نفسه:
ربما… يفتح الباب اليوم.







