
طارق المعروفي
·
اتصلت هاتفيا بإحدى العيادات الصحية قصد أخذ موعد مع الطبيب، وما إن رفعت الكاتبة السماعة حتى نطقت بتلك الجملة المعهودة وباللغة الفرنسية: “عيادة الطبيب فلان، نهار سعيد”. السؤال المطروح: لماذا يتحدثون بلغة أجنبية؟
وبينما كنت أشتري بعض الحاجيات من متجر ممتاز أو ما يُعرف بـ”سوبر مارشي”، لفت انتباهي صوت إحدى العاملات في المتجر وهي تخبر الزبائن عبر مكبر الصوت بالمنتوجات التي تعرف تخفيضاً، مستعملة اللغة الفرنسية. وبعد مدة قصيرة، تنادي نفس العاملة عبر الميكروفون على المنظفة للالتحاق بمكان معين، باللغة الفرنسية طبعاً
وقفت مندهشاً لهذا الأمر، وقلت مع نفسي: لماذا لا يتحدث الأوروبيون إلا بلغاتهم؟ ولماذا لا نجد لديهم هذا التردد أو هذا الإحساس بالنقص تجاه لغاتهم الوطنية؟ كما أن ترويج السلع وكتابة الأسماء والعلامات التجارية في كثير من الأحيان يكون بالفرنسية، ولا زلت أتساءل إلى يومنا هذا عن سر هذا التشبث بهذه اللغة، حتى في مواقف لا تستدعي ذلك إطلاقا.
إن هذه الممارسات اليومية البسيطة ،تكشف عن ظاهرة أعمق تُعرف بالاستلاب اللغوي؛ وهي حالة يفقد فيها المجتمع ثقته بلغته، فيُقبل على استعمال لغة أجنبية حتى في مجالات يمكن للغته الأم أن تؤديها بكفاءة. فيتحول استعمال اللغة الأجنبية من وسيلة للتواصل والانفتاح إلى علامة اجتماعية أو رمز للوجاهة، وكأن الحديث بلغة الوطن لا يواكب العصر أو لا يليق ببعض الفضاءات المهنية والتجارية.
لقد نص الدستور المغربي بوضوح على أن اللغة العربية واللغة الأمازيغية هما اللغتان الرسميتان للبلاد، غير أن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فهاتان اللغتان غالباً ما تجدان نفسيهما في الهامش في عدد من المجالات الحيوية. فجل المدارس العليا تدرّس الطلبة باللغة الفرنسية، وكثير من الشركات تعتمد الفرنسية لغة للتواصل والعمل، كما أن العديد من الإدارات العمومية تتراسل بها، بل إن مباريات الولوج إلى بعض الوظائف العمومية تُجرى بالفرنسية. واللائحة في هذا الباب طويلة وتعكس اختلالاً واضحاً بين النص الدستوري والممارسة اليومية.
الاستلاب اللغوي ظاهرة اجتماعية وثقافية تعني شعور بعض الأفراد بأن لغتهم الأصلية أقل قيمة من لغة أخرى، فيميلون إلى استعمال لغة أجنبية ، خصوصاً الفرنسية . و هذه الظاهرة ليست مجرد اختيار لغوي، بل تعكس أحياناً تأثيرات تاريخية وثقافية عميقة.
و تظهر هذه الظاهرة في الحياة اليومية بعدة أشكال منها :
التحدث بالفرنسية في المؤسسات والخدمات رغم أن المتحدثين مغاربة.
استخدام كلمات فرنسية داخل الجمل.
تفضيل تسجيل الأبناء في مدارس أجنبية أو بعثات فرنسية.
شعور بعض الأشخاص بأن استعمال الفرنسية يعطي انطباعاً بالثقافة أو المكانة الاجتماعية.
وهذا لا يعني الدعوة إلى الانغلاق أو رفض تعلم اللغات الأجنبية، فتعلم اللغات الأخرى أمر ضروري للانفتاح على العالم واكتساب المعرفة. غير أن الفرق كبير بين تعلم لغة أجنبية والاستسلام لها على حساب اللغة الوطنية. المطلوب هو تحقيق توازن صحي: نعتز بلغاتنا الرسمية ونستعملها في التعليم والإدارة والفضاء العام، وفي الوقت نفسه نتقن اللغات الأجنبية بوصفها جسراً للتواصل مع العالم، لا بديلاً عن هويتنا اللغوية.
Views: 44







