الحلقة الحادية عشرمن السلسلة الحوارية من السيرة الذاتية “عيطة ركوب الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

جسر التواصل1 مارس 2026آخر تحديث :
الحلقة الحادية عشرمن السلسلة الحوارية من السيرة الذاتية “عيطة ركوب الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

الحلقة الحادية عشرمن السلسلة الحوارية من السيرة الذاتية “عيطة ركوب الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

جريدة جسر التواصل: متى بدأت في التفكير في إنشاء مجموعة فنية موسيقية تحمل اسمك الفني؟
الحسين السطاتي: لقد كانت تراودني فكرة إنشاء مجموعة غنائية منذ أن أسست مجموعتي الغنائية بالدوار وسميتها “نجوم أولاد سيدي رحال”، وكانت تتكون من الأخوين المعقول أحمد والمعقول محمد، والمرحوم عمر ، ورؤوف سعيد ورؤوف المصطفىـ على شاكلة المجموعات الغنائية في نهاية الثمانينيات القرن الماضي، أمثال مجموعة “نجوم بوركَون” و”نجوم العنق” و”أهل النشاط”..ثم أسست مجموعة رفقة أخي سنة 1987 تحت اسم “أوركسترا الأفراح الشعبية”، بمنطقة “سيدي معروف أولاد حدو” بمدينة الدار البيضاء، وفي صيف سنة 1991 أسست مجموعتي الغنائية تحت اسم “أوركسترا الحسين السطاتي” بمدينة سطات، الى حدود شهر ماي سنة ألف وتسعماءة وأربعة وتسعون، إذ التحقت بالموظيفة العمومية سلك ضباط الصف للدرك الملكي، وبقيت هاو للفن أتتبع ما يجري في الساحة الفنية وبين الفينة والأخرى أشارك أصدقائي الفنانين بعض الحفلات والأعراس كضيف شرف، وعندما حصلت على التقاعد عدت من جديد إلى الفن، بنفس الاسم الفني وبنفس جديد، وهو الاسم الفني والأدبي الذي حافظت عليه إلى يومنا هذا.

جريدة جسر التواصل: حدثنا عن أبرز المحطات التي توقفتم فيها خلال مسيرة حياتكم ؟
الحسين السطاتي: يمر كل إنسان من عدة محطات في حياته، فتارة يتوقف عند مفترق الطرق، وتارة يتابع السير بدون توقف، توقفت عندما عزمت على ولوج حياة الوظيفة العمومية بسلك الدرك الملكي في ربيع سنة 1994، حيث ودعت حياة الفن والدراسة كنت حينها أدرس بمعهد التكنولوجيا التطبيقية، وأزاول الفن الموسيقي أشتغل في الحفلات والأعراس، فانقلبت حياتي من شاب في أوج سن المراهقة والفوران الشبابي مفعم بالعاطفة وحب الحياة وعشق الفن والجمال، إلى متدرب عسكري دركي، يخضع لأوامر وتعليمات ويخرج ليرى والديه برخصة أو إذن، لكني طيلة مسيرتي العملية الوظيفية كنت أزاول هواياتي بما في ذلك الفن العيطي والكتابة الأدبية لكن في الخفاء وباحتشام وبخوف، لأن القانون الإداري يمنع إزدواجية العمل، وخاصة أنني كنت ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية، إلى أن حصلت على التقاعد النسبي ربيع سنة 2016، حيث عدت من جديد إلى عالم الانطلاق والحرية والتغريد في الأعراس وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، سواء في الفن الموسيقي العيطي أو في فن الكتابة الأدبية، وهكذا كانت انطلاقتي الجديدة، كانت عودتي إلى الساحة الفنية بمثابة ولادة جديدة بالنسبة إلي، وكانت هناك مطبات وعقبات لكن بالصبر والإسرار والاستمرار وحبي لعملي الفني، حققت كثيرا من أمنياتي وأحلامي، وكل المراحل صارت بالنسبة إلي مراحل جميلة أعطتني دروسا وثقة في النفس، وأعطتني ماديا ومعنويا.

جريدة جسر التواصل: نريد منك أن تحكي لنا عن ذكرى جميلة من البدايات الفنية الموسيقية؟
الحسين السطاتي: كثيرة هي الذكريات الجميلة لكن الذكرى الأكثر جمالا ، أتذكر إنني كنت قد أحييت حفلة عرس بدوار قريب من دوارنا، وكنت لوحدي أعزف على الكمنجة وأغني وسط النساء من مختلف الأعمار وبعض الرجال من أهل العرس، يعني لم تكن معي المجموعة الغنائية وساعدتني النساء في الإيقاع “بالبنادير” ومرت الحفلة في جو بهيج حيت استفدت لوحدي من إكراميات “الفلوس” تلك الحفلة، وكانت تقدر تقريبا بتسعمائة درهم وكنت حينها تلميذا في السنة الثالثة من التعليم الثانوي، وكان هذا المبلغ مهما بالنسبة لي في تلك الفترة، وعرفت أن فن العيطة و”حرفة تشياخيت” كريمة وسخية وممتعة، وبقيت هذه الذكرى محفورة في ذهني.

جريدة جسر التواصل: في نطاق حقوق المرأة، هل “الكوتا النسائية” في فن العيطة تظلم المرأة وتحد من اندفاعها؟
الحسين السطاتي: على العكس، فن العيطة منصفا للمرأة منذ قرون سابقة، حيث نجدها تعيش المساواة مع الرجل، في الغناء والعزف على الآلات الموسيقية والرقص،والأجرة..ونجدها أحيانا رئيسة مجموعة غنائية ومديرة أعمال هذه المجموعة الفنية.

جريدة جسر التواصل: بصفتك فنان شعبي “شيخ للعيطة” موسيقي ومغني لفرقة موسيقية “رباعة الشيخات”، ما رأيك في ظاهرة تعري الشيخات خلال العرض الفني؟
الحسين السطاتي: لا يوجد أي تعري في مجموعتي الموسيقية الغنائية، بل أرى أن “الشيخة” هي التي تبدو أكثر احتشاما في العرس، فهي ترتدي “القفطان” أو “التكشيطة” و”الكندورة”، و خلال فترة العرض الفني فكل فنان له طريقة إبداعه وأدائه، والشيخة فنانة مغنية وراقصة، ولكل واحدة طريقتها في التعبير عن فنها، وهي تعرف كيف تبدع وتمتع وترضي جمهورها من خلال عرضها الراقص،، والمثل المغربي يقول، “اللي يشطح ما يخبي ليحيتو”، وأعتقد أنه لا يوجد تعري بالنسبة للشيخات، فأغلبهن يرتدين اللباس المغربي التقليدي بما في ذلك: القفطان والتكشيطة، والكَندورة المغربية.

جريدة جسر التواصل: ما هي المعايير التي يختار بها الحسين السطاتي المرأة “الشيخة” من أجل العمل معك ؟
الحسين السطاتي: بفضل التطور التكنولوجي والرقمي، صار الأمر سهلا فيما يتعلق بالبحث عن فنانة شعبية للشغل، لكن فيما يتعلق بالفنانة “الشيخة”، يتطلب تريث واختبار وتبقى المهمة صعبة شيئا ما في ايجاد “شيخة ” بمعنى الكلمة أي ” شيخة معلمة طباعة عياطة”، في قاموسنا الشيخاوي، فنانة حافظة لمتون كلاسيكيات فن العيط، لأنهن قليلات بل ناذرات، وهذا لا يشكل لي عائقا لأنني مغني لأنواع عديدة من “العيوط”، أما عن الفنانات الشعبيات الراقصات أو ما نسميهم بعبارة “الخيلازات” فهن موجودات وبكثرة، وبالنسبة لي كرئيس مجموعة غنائية “رباعة الشيخات” أعرف كيف أختبر المرأة الفنانة التي ستعمل معي، أول شيء أن لا تكون قاصر يعني أن تكون بلغت سن الثامنة عشر من العمر، رغم أنه أحيانا تحضر معنا في بعض المرات على استعجال فنانة أو فنانتين قاصرتين، وهذا يصعب المهمة داخل المجموعة، بعد ذلك ينبغي أن تكون الفنانة “الشيخة” مقبولة الشكل وحسنة المظهر حتى لا تتعرض للتنمر والسخرية لحظة مزاح بعض من الجمهور معها، وتكون لها موهبة الفن الشعبي وحب لمهنتنا “حرفة تشياخيت”، وعند لقائي بها مباشرة أقوم ببحثي الخاص حولها بطريقة فنية، من خلال حواري معها، مثلا الحالة العائلية متزوجة أم مطلقة، عدد الأبناء، أعرف مستواها الدراسي وأختبر مستواها الثقافي، والبيئة التي نشأت فيها، هل لها سوابق عدلية، هل تعاني من أمراض مزمنة، لأن هذا البحث ضروري من جهة لحصولها على الوثائق الفنية كبطاقة الفنان وبطاقة النقابة وبطاقة التعاضدية، ومن جهة أخرى حتى لا تكون هناك مشاكل خلال السفر وأتناء العروض الفنية في الأعراس أو الحفلات أو على منصات المسارح والسهرات العمومية الكبرى. أما عن كيفية التواصل في البداية فيتم ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أتلقى عروض عمل من فنانات، وأتفرج على تسجيلاتهن على الفايسبوك أو اليوتوب وأبني فكرة حول هذه المرأة الفنانة ونتواصل عبر الهاتف وعبر تطبيق الواتساب، ثم نلتقي مباشرة، وأحيانا الشيخة القديمة تستقطب الشيخة الجديدة، وبعد ذلك نبدأ في التداريب الشفوية عبر لقاءات مباشرة سواء بالمقهى أو بالطبيعة، وبعدها أتتبع اختبارها خلال العمل الفني التطبيقي في العرس أو الحفل..

جريدة جسر التواصل: ما هي أول الدروس والتوصيات التي تتلقاها “الشيخة ” المبتدئة بالنسبة لمجموعة الحسين السطاتي ؟
الحسين السطاتي: بصفتي رئيس الفرقة الموسيقية على “الشيخة ” المبتدئة أن تنتبه وتنفذ ما أطلبه منها خلال العمل الفني، في الحفلة أو العرس أو سهرة كبرى، سواء في المدينة أو البادية، أول درس على المرأة “الشيخة” أن تتعلمه وتتقيد وتلتزم به، هو الأخلاق، عليها أن تحترم نفسها وتحترم جمهورها وتحترمنا نحن زملائها “الأشياخ والشيخات “العاملين معها، وأن تعي جيدا أنها في شغل يعني عمل فني، وليست في نزهة أو حفلة شخصية، نحن جميعا سنتقاضى ثمنا على عملنا الفني، والناس تعول علينا في تنشيط وصناعة الفرجة لهم، وأمامنا ومن حولنا جمهور محب ومتعطش لسماع أصواتنا وموسيقانا، لهذا علينا أن نكون في المستوى ونشرف فننا، ونكون عند حسن ظن الناس بنا، الناس يفرحون بتواجدنا بينهم ويكرموننا ويهدوننا الفلوس..لذا علينا أن نقدم لهم ما ينتظروه منا، وعلى “الشيخة” أن تترك المصلحة الشخصية وهمومها خارج العمل، ويجب عليها الالتزام والانضباط في الوقت والعرض الفني، وأن تتحلى ببرودة الدم مع الجمهور وتتقبل النقد والتنمر، وتتصنع الابتسام في وجه الناس، لأننا في فرح وفي حفل، وأن تكون حذرة ويقظة من بعض الأشخاص الذين لا نعرف نواياهم ولا خبث أنفسهم، ولا مجال للعاطفة والابتذال أتناء العمل الفني.

جريدة جسر التواصل: هل للفنانة الشعبية “الشيخة” مرحلة عمرية وتنتهي صلاحيتها؟
الحسين السطاتي: لكل بداية نهاية، وأولنا ضعف وآخرنا ضعف، ومن مميزات فن العيطة أن المرأة الفنانة العاملة في مجال العيطة مهما بلغت من العمر تواتيها كلمة “شيخة”، ولو وصلت من العمر كبرا، شرط أن تكون صحتها الجسدية والنفسية تسمح لها بأداء دورها الفني، فهي تقف في نخوة وتمسك بآلة الطعريجة الصغيرة والخفيفة الوزن، وحتى بآلة أخرى من الآلات الموسيقية، وتؤدي دورها الفني، وقد تصل إلى سن السبعين وتجدها مازالت تريد أن تعمل، لا تحب أن ينقشع عنها بريق الأضواء والتصفيق والمجاملات والإطراء، والأمثلة عديدة من الشيخات المسنات اللواتي عمرن طويلا في فن العيطة، أذكر منهن الراحلات: الشيخة فاطنة بنت الحسين، والشيخة عايدة، والشيخة الحامونية والشيخة الحمداوية والشيخة حفيظة الحسناوية والشيخة خديجة البيضاوية وحاليا اللواتي مازلن على قيد الحياة كالشيخة خديجة مركَوم ، والشيخة رحمة بنت خربوعة، والشيخة فوزية الزريقة، والشيخة عائشة الجرارية، وغيرهن..

جريدة جسر التواصل: من وجهة نظرك، هل أنصف الإعلام المغربي الشيخة؟

الحسين السطاتي: طبعا..الإعلام المغربي بكل أصنافه داعم كبير للفنانة الشعبية “الشيخة” وداعم لحرفة “تشياخيت”، بصفة عامة، ومهتم بفن العيطة، ولا ننكر فضل الإعلام علينا، فالشيخة حاضرة بقوة في المشهد الإعلامي، لكن أحيانا نجد تجني على هذه المرأة الفنانة، فالعديد من وسائل الإعلام المغربي تريد تكريس دونية الشيخة والتركيز على سلبياتها، بدل ايجابياتها، حيث ينتقد حضورها الطاغي وينعتها أحيانا بالمرأة الوقحة المبتذلة، الفاتنة للشباب، وقليلا ما أجد مقالات تنوه بعمل هذه الفئة من النساء، لذلك تجدني بين الفينة والأخرى أكتب مقالات تعنى بحياة “الشيخات” المغربيات، وأنشر عبر المجلات والجرائد.

جريدة جسر التواصل: بحكم أنك فنان شعبي “شيخ للعيطة”، ما الذي يغري ويجلب المرأة إلى فن العيطة؟
الحسين السطاتي: فن العيطة “حرفة تشياخيت”، هو فن مغري ماديا ومعنويا، وأعتقد أنها طريقة احتجاج غير مباشرة بالنسبة للمرأة، غالبا ما تكون بداخلها ثورة تغلي، فهي أولا فنانة موهوبة بالفطرة، مغنية وراقصة، وغالبا ما تكون قد تعرضت لقساوة الحياة، من قمع وظلم وغدر وخيانة.. لذلك تتجه إلى فن العيطة، فتجد الشيخة تعبر عن سخطها وحقدها بفنها، بجسدها وبصوتها، لأنها تجد في هذا الفضاء المتعة والأخوة والحب،والتقدير، والاهتمام والمال..ستجد في “حرفة تشياخيت” جو العائلة الفنية التي تتقبلها بكل زلاتها وهفواتها،سيتقبلها الجمهور ويرحب بها ويحبها، سيطريها ويجاملها ويهديها ويكرمها ، سيشفع لها فنها ويضمن لها استقلالها المادي والمعنوي، وستحس بوجودها في بيئة العيطة.

جريدة جسر التواصل: ما هي أصعب الأخطاء التي تقع فيها المرأة الشيخة، في فن العيطة؟
الحسين السطاتي: بحكم تجربتي كفنان شعبي “شيخ للعيطة”، موسيقي عازف كمنجة “كومنجي” ومغني لفرقة موسيقية “رباعة الشيخات”،فأصعب ما يمكن أن تقع فيه المرأة الفنانة “الشيخة” هو أن تتبع شهواتها وهواها ولا تراقب نفسها، بما في ذلك تعاطيها للتدخين وشرب الخمر والجنس الحرام، وهذا الثلاثي مدمر وقاتل للفن وقاتل لصحة المرأة ولسمعتها، مدمر لنفسيتها ولجمال بشرتها وهادم لمستقبلها، ومن تلعب تسقط، ومن تلعب بالنار ستحترق، هذا قانون اللعب، لذلك على المرأة التي تلج عالم مهنة “تشياخيت” أن تكون حذرة ويقظة، فالفخاخ والحفر موجودة في غابة العيطة، وكما نقول في ثقافة أهل العيطة: “رجل في العرس ورجل في الحبس”. وليس كل ما يلمع ذهب، وعالم “تشياخيت” غير مفروش بالورود، فقد وصف لنا هذا أجدادنا وأسلافنا “أشياخ وشيخات” العيطة بأن عالم فننا هو بمثابة غابة، وخلدوها في “عيطة الغابة”، فيها الفواكه والثمور والورود والأزهار والطيور المغردة الجميلة، والفراشات الملونة، وفي نفس الوقت فيها الأشواك والوحوش المفترسة، فيها الذئاب والثعالب والأفاعي والعقارب، كل هذا مذكور في “عيطة الغابة” التي تتضمن أزيد من عشرين رقصة.

سؤال: بصفتك فنان شعبي “شيخ للعيطة” فهل ترى أن هناك انحيازا في فن العيطة اتجاه الرجل أكثر من المرأة ؟
– جواب : ليس هناك أي انحياز، فن العيطة يساوي بين الرجل والمرأة يساوي بين الشيخ والشيخة، وكما تجد الداودي تجد الداودية، وكما تجد الستاتي تجد الستاتية، وكما تجد الصنهاجي تجد الصنهاجية، وكما تجد المرضي تجد المرضية، وكما تجد السطاتي تجد السطاتية، وكما تجد الميلودي تجد الميلودية، للرجل مثل حظ المرأة ولا فرق بينهما إلا بالفن العيطي

جريدة جسر التواصل: في السنوات الأخيرة اقتحمت المرأة الشيخة مكانة عازفة على آلة موسيقية في فن العيطة، في نظرك ما هي الأسباب التي أدت إلى ذلك؟
الحسين السطاتي: على فكرة ..فالمرأة الفنانة “الشيخة” عازفة على الكمنجة والعود منذ عشرات السنين، و لا فرق بين الرجل والمرأة في اكتساب المواهب، والآن وُجِدت المعاهد الموسيقية كما صارت الآلات الموسيقية في المتناول، وتغيرت نظرة المجتمع للمرأة كموسيقية لذلك صرنا نجد المرأة عازفة على آلات موسيقية مختلفة كالكمان والعود والأورغ والقانون…وهذا راجع إلى شغفهن بالموسيقى ورغبتهن في التحدي والتميز.

جريدة جسر التواصل: كم مرة طرقت باب الفن كي يفتح لك؟ وهل دخلت الباب بسهولة؟ ومن فتحه لك؟
الحسين السطاتي: كما قلت لك أنا عاشق شغوف ومهووس بفن العيطة، وموسيقى العيطة في جيناتي، وقد طرقت باب الفن مند سن الرابعة عشر تقريبا، حيث بدأت انطلاقتي الفعلية، وكنت حينها مازلت بالبادية حيث كنت أشارك فرق الشيخات في إحياء الحفلات، وكونت مجموعة غنائية مع أخي عبد القادر تحت اسم “أوركسترا الأفراح الشعبية”، وفي سنة 1991، أسست مجموعتي الخاصة تحت اسم “الحسين السطاتي”، ثم أعدت طرق الباب مرة أخرى صيف سنة 2016 بعدما حصلت على التقاعد من سلك الدرك الملكي، ومازلت أطرق الأبواب، وبفضل الله سبحانه وتعالى وحب الجمهور تفتح الأبواب، ومن سار على الدرب وصل.

جريدة جسر التواصل: كيف لعب التقدم التكنولوجي دوره في عالم العيطة؟
الحسين السطاتي: نحن في زمن التكنولوجيا والعالم الرقمي والالكتروني والافتراضي، هذه التكنولوجيا التي دللت الصعاب مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق، ووفرت كثيرا من الوقت والجهد، من بين ذلك إجراء التداريب والتمارين عن بعد، والتواصل عبر الهواتف الذكية، عن طريق تطبيق الواتساب، والتواصل مع أكثر من فنان في وقت وجيز لتعويض فنان آخر، بل قد يتصل رئيس المجموعة الغنائية بفرقة غنائية وتحضر في زمن قياسي لا يتعدى الساعة وهذا بفضل العلم والتطور التكنولوجي، ناهيك عن دور نظم البرمجيات والذكاء الاصطناعي في تنقية الأصوات وتنقيحها وتعديلها وجودتها.

جريدة جسر التواصل: المشعل يحمله الآن عدد كبير من الشباب، فهل تعتقد بأن موسيقى العيطة ستفقد أصالتها؟
الحسين السطاتي: كما وصلتنا نحن العيطة من الأسلاف سننقلها نحن أيضا إلى الجيل القادم، والعيطة تسير من الحسن إلى الأحسن، ولابد من التجديد تماشيا مع العصر ومتطلباته، لكن العيطة لن تفقد هويتها وجمالياتها، مادامت هناك طبيعة خلابة، ومادام هناك جمال: أودية وجبال وغابات وصحاري.. فهناك عيطة، أكيد ستتغير في بعض الألحان والإيقاعات لأن لكل عصر أشياخه وشيخاته كما لكل عصر جمهوره.

جريدة جسر التواصل: الحسين السطاتي شيخ العيطة ولماذا لست مشهورا كثيرا وأنت تعديت سن الخمسين؟
الحسين السطاتي: لقد بدأت في مزاولة النشاط الفني في نهاية الثمانينات القرن الماضي، وتوقفت خلال ربيع سنة 1994، حيث التحقت بصفوف الدرك الملكي سلك ضباط الصف إلى حدود صيف 2016، حيث حصلت على التقاعد وعدت من جديد إلى عالم الفن، والحمد لله صار لي جمهور، وأسير خطوة خطوة. ولا يمكن للفنان الحقيقي أن يستعجل النجاح ويسرع الخطوات نحو مطامحه وإلا تحطم، فالذي يصعد بسرعة يهبط بسرعة أكثر، وأفضل لي أن أحقق آمالي الفنية خطوة خطوة، بدلا من الطيران ثم الوقوع، فأنا أتطور ولكن بثقة تجعلني أضمن ثقة الجماهير أكثر فأكثر ويوما بعد يوم.

جريدة جسر التواصل: إضافة إلى الابتسامة والأناقة والقدرة على الإقناع، ما أهم الشروط المطلوبة في شيخ العيطة؟
الحسين السطاتي: من بين الشروط التي ينبغي توفرها في الفنان بصفة عامة، الأخلاق الحميدة، والثقافة العامة، وأن يكون ملما بفنه ووفيا في وعوده وصادقا فيما يقول، ومتقنا ومجدا فيما يقدمه من فن، مع الالتزام والانضباط والوفاء بالوعد.

جريدة جسر التواصل: ما نوع التأثير الذي يجب أن تستمتع به الشخصية المشهورة، وهل يجب أن يكون المشاهير قدوة؟
الحسين السطاتي: إلى حد الآن لا أعتبر نفسي مشهورا تلك الشهرة الفنية التي تحدث الضجة، و ليس كل شخص مشهور هو قدوة، فكثير من الأشخاص يصنفون ويندرجون تحت قائمة المشاهير؛ المغني والممثل والكاتب..أو من قام بشيء خارج المألوف، وهنا يجب على كل فرد أن يختار الشخص المشهور الذي يكون قدوة له، كما يجب على المشاهير أن يحترموا فنهم وجماهيرهم وأن يعطون القدوة الجيدة.

جريدة جسر التواصل: أنت فنان وتعد من المؤثرين في العالم الفني العيطي، هل تشعر بمسؤولياتك الاجتماعية والإنسانية؟
الحسين السطاتي: طبعا، أعرف أنني مؤثر ولو في نسبة قليلة من الأشخاص، وأشعر بمسؤوليتي اتجاه العديد من الأشخاص الذين ينظرون إلي كقدوة ومثلا لهم يحتذوا به، ودائما أروج للمحافظة على الصحة بتجنب الثالوث الملوث، التدخين بأنواعه والخمر بأنواعه والجنس الحرام، وتقدير الذات وتقبل الهيئة الجسدية والصحية، كما أحرص أن يعرفني ويراني الناس على حقيقتي.

جريدة جسر التواصل: ما هي الصفة التي لا يسعدك أنها من صفاتك ؟
الحسين السطاتي: لا أهتم للمال وأعتقد أن هذه أفدح صفة من صفاتي، حيث لا أضع وزنا للمال، قد تجد عندي مبلغ مائة درهم وأكون فرحا وكأنني لا ينقصني شيء، وحتى لما يكون بحوزتي المال لاا أفكر في الغد أعيش اللحظة التي أنا فيها، وقد أتبرع بما عندي في عمل خيري، لأشعر بفخر وفرح ونشوة تغمرني في تلك اللحظات وفي يوم الغد أقترض من أصدقائي. هذه الصفة لازمتني منذ شبابي، حاولت مرات عديدة أن أغيرها لكن دون جدوى.

جريدة جسر التواصل: من أختار لك الاسم الفني؟ وهل تريد أن تستبدله باسم آخر؟
الحسين السطاتي: في الحقيقة الراحل الفنان محمد البيضاوي رئيس جوق الوردة بمنطقة “سيدي معروف أولاد حدو” بمدينة “الدار البيضاء” هو الذي اختار لي لقب “الحسين السطاتي”، حيث كنا نجتمع بمحله للتداريب، وكان صلة وصل بين أفراد المجموعات “الشيخات والأشياخ”، كما كان يقوم بكراء الآلات الموسيقية، وهو من لقبني بالحسين السطاتي ، وكان يدعوني أحيانا بلقب “الحسين السطاتي الموتشو”، لصغر سني في ذلك الوقت،وعُرفت وأنا شاب بهذا اللقب وسط الأشياخ والشيخات، وأعجبني هذا اللقب واخترته اسما فنيا وأدبيا.

جريدة جسر التواصل: ما هي الأسس التي ركزت عليها في بناء مسارك الفني؟ وما الرسالة التي تسعى إلى تحقيقها؟
الحسين السطاتي: أول شيء هو حب الفن الذي أمارسه، فأنا أعشق فن العيطة بكل ألوانه وخاصة فن العيطة المرساوية، و ثانيا حب الجمهور دعامة أساسية لتحقيق النجاح، والتحلي بالأخلاق الحميدة، لقد بدلت جهدا وطورت إمكانياتي المادية والمعرفية وأشتغل على مساري بشكل متواصل، أما عن رسالتي فهي بالأساس صناعة الفرجة وإدخال البهجة والسرور إلى قلب الغير ولو للحظات، ومشاركتهم الأفراح، وجميل أن تكون مساهما في خلق الفرحة و الفرجة للآخر، أجد نفسي فرحا مسرورا وأنا أجلب السعادة و الفرح للجمهور، أو أساهم في التفريج عن غمهم وهمهم، لهذا أنخرط في الأعمال الخيرية و الاجتماعية.

جريدة جسر التواصل: هل تتفاءل بمستقبل العيطة؟ وإلى ماذا تستند في ذلك؟
الحسين السطاتي: طبعا أنا جد متفائل لمستقبل الأغنية العيطية، لأن لها علاقة بالأغنية الشعبية، إضافة إلى ذلك أنها أغنية وجدانية عاطفية، أغنية أيروسية، أغنية الحب، والحب لا يموت، نعم هناك فترات تقهقر لكن دائما تتبعها مرحلة ازدهار، العيطة تمرض وتتعافى، وقد تقتل لكن لا تموت، فهي دائما تفرض وجودها في الساحة الفنية، وهي في أيد أمينة، لقد صار يغنيها ويعزفها المهندس والدكتور الطبيب والطبيبة والضابط العسكري المتقاعد…صار شيخ العيطة طبيب، وضابط متقاعد،..وصارت العيطة فن كل الطبقات الاجتماعية، نجدها في القصر كما نجدها في المدشر.

جريدة جسر التواصل: ربما هو سؤال جريء وصعب لكن فضولنا الصحفي يدفعنا إلى أن نسألك إياه، شاهدك البعض تغني في بعض المطاعم والملاهي الليلية، أليس الأجدر بك كفنان ومتقاعد دركي ومستثمر في مجال الحلاقة والحفلات، أن تقنع وألا تتهاون في حق نفسك ؟
الحسين السطاتي: الحمد لله لم يروني أسرق ولا أتسول، لقد رأوني أغني وأضحك، أصنع الفرجة والفرح وأتسلم الأموال والناس فرحين نشطين، معجبين بما أقدم من فن، هذا شيء يعجبني وأفتخر به، أجد متعتي وأجد ذاتي في كل ما أفعله، وحتى لو جرمه القانون، سأعزف الموسيقى وسأغني العيطة، فأنا معتاد على زيارة المحاكم.

جريدة جسر التواصل: هل ندمت على انقطاعك عن الفن العيطي ودخولك إلى سلك الوظيفة العمومية ؟
الحسين السطاتي: في بعض الأحيان كان يساورني الندم، وكنت أفكر في مغادرة الوظيفة العمومي، أي سلك الدرك الملكي والعودة إلى الساحة الفنية، لكن والداي رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته، رفضا ذلك رفضا باتا، خيراني بين السخط والرضاء، وبفضل الله ورضاء الوالدين، أنهيت خدمتي الدركية الأمنية بسلام وحصلت على التقاعد ثم عدت إلى الساحة الفنية .

جريدة جسر التواصل: هل ندمت على تجربتك في الدرك الملكي ؟
الحسين السطاتي: بل العكس هو الصحيح، فتجربتي بالدرك الملكي هي التي جعلتني فنان شعبي بهذه الشخصية، وبهذه الثقافة، وأنا مدين لإدارة الدرك الملكي بالشيء الكثير.

جريدة جسر التواصل: أنت في الخمسينات من العمر وفي وقفة مع الذات واسترجاع محطات مسارك عموما، ما المحطة التي تعتبرها أهم انجاز في حياتك ؟
الحسين السطاتي: الحمد لله الذي أنار طريقي وحفظني ورعاني وقواني حتى تجاوزت العديد من المحطات الصعبة، وحتى وصلت إلى هذه المحطة ومازال قطار الحياة يسير بي، أتمنى أن لا يزيغ عن السكة المناسبة، كل المحطات كانت بالنسبة إلي تحديا ونجاحا، لأنني منذ البداية ولدت في بيئة فقيرة ريفية كانت تفتقد إلى أبسط وسائل العيش الكريم، وبفضل الله والوالدين والإخوة استطعنا أن نركب قطار التنمية والنجاح، وأهم محطة كانت محطة بسلك الدرك الملكي، كانت محطة رائعة كونتني وأكرمتني. كونتني ماديا ومعنويا، أنا مدين لإدارة الدرك الملكي بالشيء الكثير، وبكل ما حققته من نجاح وتطور في شخصيتي.

جريدة جسر التواصل: الفن والأضواء والسهرات والصحافة..هل غيرت من طباع وسلوك الحسين السطاتي ؟
الحسين السطاتي: ليست لي تلك الشهرة التي تغير من طباع الفنان، كل ما ذكرت هي أمور جميلة تشعرني أنني فنان حقيقي وموجود في الساحة الفنية، وأشعر أنني تحديث ذلك الحسين الموظف العمومي والضابط الدركي الصارم، ونجحت في اقتحام عالم الفن، لكن هذا لا ولن يغير من طباعي وسلوكي، فقبل هذا كنت فنان من صنف آخر أكثر شهرة لقد كنت دركيا ضابطا للشرطة القضائية محاربا للجريمة وكنت أكسب شهرة في كل قرية أو مدينة عملت بها، كنت فنانا في محاربة الجريمة ولم يغير ذلك من طبعي.

جريدة جسر التواصل: يلاحظ بين الحين والآخر انتشار تسجيلات فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي لبعض الفنانين متدمرين ومستائين من إقصائهم وعدم مشاركتهم في المهرجانات الوطنية، ومن الظهور على القنوات العمومية التلفزيونية المغربية، متهمين جهات معينة بالزبونية والمحسوبية والرشوة والسمسرة، في المقابل احتكار أسماء معينة واستفادتها المتكررة بالمشاركة في العديد من المهرجانات، فما رأيك في ذلك بصفتك فنان شعبي؟

الحسين السطاتي: لقد شاهدت مرارا بعض من هذه الفيديوهات، وبعض هذه الخرجات الإعلامية النقدية لبعض الفنانين، سواء على صفحات الجرائد أو على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن بالنسبة لي ليس لذي أي دليل أو برهان أتخذه كمرجع ولا أتوفر على أية حجة أو سند مادي أرتكز عليه لأتهم جهة معينة بالتواطؤ والرشوة والسمسرة.. كل ما يمكنني أن أدلي لكم به أنني شاهدت مرارا وخاصة خلال فترة الصيف أن هناك مجموعة من الفنانين الشعبيين وخاصة المعروفين قد تكرروا عدة مرات في مهرجانات متعددة عبر الوطن، ويظهرون بتكرار على القنوات التلفزيونية المغربية، وفعلا هم فنانون مشهورين لهم شعبية كبيرة ولهم حضور متميز في الساحة الفنية المغربية، ومنهم من له تألق يتعدى ثلاثين سنة، ومن حقهم المشاركة في عدد من المهرجانات لأنهم بكل بساطة مشهورين ومتألقين، ويطلبهم الجمهور المغربي، ومن طبيعة الحال فهم يتوفرون على كل الضمانات القانونية والفنية ليعتلوا منصات المهرجانات الفنية، كما استفاد عدد كبير من الفنانين المبتدئين في الشهرة، واعتقد أنه لا يمكن إرضاء الجميع، بل على الفنان أن يجتهد ويكون ذكيا ليصل إلى هدفه وإلى الجمهور، ويسلك جميع الطرق التي تؤدي إلى منصة المهرجانات كما سلكها الآخرون.

جريدة جسر التواصل: تغني أنواع مختلفة من العيطة، أيتها تعتبرها الأحب إلى نفسك؟
الحسين السطاتي: على مدى سنوات وأنا أغني العيطة، وعدد كثير من العيوط محبب إلى نفسي وخاصة فن العيطة المرساوية والعيطة الفيلالية البلدية، أحب وأُفضل الأغاني التراثية “العيوط” العاطفية الوجدانية التي تتغنى بالحب والجمال ، تتغنى بالخيل والليل والقمر ..مثل ” عيطة لغزال، وعيطة ركوب الخيل، وعيطة الشاليني، وعيطة العين، وعيطة الكافرة غدرتيني”.

جريدة جسر التواصل: لماذا اخترت العيطة المرساوية ؟
الحسين السطاتي: لأنه الفن الذي نشأت على سماعه بباديتنا بقرية “أولاد عبو” والتي كانت تسمى قديما “جمعة فوكو”، ضواحي منطقة “أولاد سعيد”، اقليم برشيد جهة السطات الدار البيضاء”، بسهل الشاوية بوسط المغرب، وهي الفن السائد بالمنطقة في جميع الحفلات ومناسبات الفرح..

جريدة جسر التواصل: كيف يقاس الفنان الشعبي الغنائي حاليا، هل بعدد أغانيه أو بعدد حفلاته ومهرجاناته، أو بشباك التذاكر؟ ؟
الحسين السطاتي: كل هذا الذي ذكرت يجعل الفنان مشهورا ومتواجدا في الساحة الفنية، أضف إلى ذلك حضوره على مواقع التواصل الاجتماعي وعدد متابعيه وعدد المشاهدات على هذه المواقع.

جريدة جسر التواصل: كيف استطعت أن تفرض وجودك وسط هذا الزخم من الفن الشعبي؟
الحسين السطاتي: أعتقد أنني مازلت في بدايتي الفنية، نعم أنا دركي متقاعد لكنني عائد جديد إلى الميدان الفني ولي جمهوري الذي يهتم بي ويسأل عني وهذا ربح بالنسبة إلي، وسأعمل وأجتهد حتى أضيف لهذا الفن الراقي شيئا يذكروني به.

Views: 56

الاخبار العاجلة