
بقلم . عبد العزيز الخطابي

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتراكم فيه القضايا، يبدو أن شجاعة الدفاع عن الحقائق والمعرفة قد أصبحت من أسرار الماضي. بينما تتجه الأمم نحو البناء والتقدم، نجد أنفسنا، كأفراد وكأمة، نُفضِّل الاستلقاء في زوايا الجهل، نمارس النسيان المنهجي لمعرفتنا وقدراتنا. فهل نحن بالفعل جبناء، أم نعيش في عالم يسخر منا ويعزز ضعفنا؟
دعونا نلقي نظرة على عالم التعليم أولًا. في الماضي، كان العلم يُعتبر مفتاحًا للحرية، أما اليوم فقد استُبدل بالازدواجية والنفاق. نرى طلابًا يتخرجون بشهادات لا تعكس إلا جهدهم في قضاء سنوات طويلة في الفصول الدراسية، لكن المعرفة الحقيقية تبقى بعيدة المنال. الأولوية لم تَعُد للعمق الفكري، بل للمظهر الخارجي. هل يُعتبر هذا نوعًا من الخداع؟ كم هي مُهينة تلك الفكرة التي تقول إن الجهل أفضل من المعرفة، وكأن الأمر يصبح لعبة يشارك فيها الجميع، لكن بلا قوانين!
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. نحن نعيش في عالم يعاني من قلة الوعي الصحي. انظر حولك، تجد الناس مستسلمين لأفكار غير صحيحة أو معلومات مضللة، وكأنهم متلقون تنقصهم الحماية من الفيروسات الاجتماعية. كلما سمعنا عن ضرورة الحفاظ على صحتنا، نجد البعض يميلون نحو فكرة أن المعاناة هي القدر. لكن، ماذا عن البيئة الصحية التي يحتفظون بها؟

وإذا نظرنا إلى مسألة العدالة الاجتماعية، فالأمور تزداد سوءًا. يعد المطالبة بالعدالة أمرًا شجاعًا، لكن لدى بعض الأفراد، يبدو أن الاستكانة قد أصبحت خيارًا مفضلًا. لماذا نضع رؤوسنا في الرمال كالأوتاد، بينما الحقائق تدور حولنا؟ اللافت أن الأحاديث عن العدالة تبدأ بشكل قوي، لكنها سرعان ما تفتر حينما نرى الجبناء يستمرون في صمتهم. هل نحتاج إلى قرار حكومي لكي نعمَل على تغيير حياتنا؟
تبدو الهوية الثقافية كفخ عاطفي نعيش فيه. قد نحب أن نتحدث عن الأمة الواحدة، ولكن الواقع يؤكد أن انقساماتنا أغلى من زئير الأسد في الغابة. نحن كرة ثلج تتدحرج، وتزداد حجمًا مع تزايد التحديات. كأننا نعتقد أن وحدتنا تكمن في الحديث بلغة واحدة، بينما القلوب تتباعد أكثر.
العالم يتغير من حولنا ولا نتغير. نعتقد أن هذا يقودنا إلى حالة من الاستسلام، في حين أن الجبناء فقط هم من يختارون الاتكال على الحظ. لنكن واقعيين: لا يمكن لشيء أن يتغير دون أن نكون مستعدين للقيام بشيء حيال ذلك. إن المستقبل ليس حكرًا على أولئك الذين يتحدثون عن تغيير، بل لمن يجرؤون على العيش وفق قيمهم وأفكارهم.
لذا، فكر في الأمر: هل ستظل متفرجًا في هذا المسرح العظيم، تراقب الأحداث دون أن تكون جزءًا منها؟ أم أنك ستختار أن تكون بطلًا في قصتك الخاصة؟ فالمسرح مفتوح أمام الجميع، لكن ستبقى الأدوار حكرًا على أولئك الذين يجرؤون على الخروج من الظل والقيام بما هو صحيح. الجبناء لن يصنعوا التاريخ، لكن الشجعان سيفعلون.
لكي نستمر في استكشاف موضوع الجبناء في عالم المعرفة، يجب أن نغوص أعمق في الآثار المترتبة على هذا الجبن الفردي والجماعي. كما أن المجتمع الذي تقود فيه القيم الميكافيلية بالاستغلال والنفاق لن يحقق أكثر من استنساخ الأدوار القديمة وبقاء دوامة الفشل.
في عالم متغير بشكل سريع، تحتاج الأمم إلى أبطال في كل مجال، بدءًا من التعليم وصولاً إلى العدالة الاجتماعية. لكن، ماذا يعني أن تكون بطلًا في زمن يسوده اليأس والخوف من الرفض؟ إنه يتطلب جرأة استثنائية. أحيانًا، يكون من الأسهل كثيرًا أن نتبع القطيع ونجاري الموجة بدلاً من الوقوف كفرد لنواجه التيارات العاتية. لكن هل تعتبر تلك التضحية بحريتنا خيارًا حكيمًا؟
غالبًا ما تجسد الهزيمة المعنوية في ثقافاتنا فكرة أن العيب هو في الشخص الذي يقاوم. التحديات تبقى معقدة، حيث يتمثل أحد أبرز محاور الجبن في عدم القدرة على قبول الفشل ومحاولة التعلم من التجارب. نحن نفضل التمسك بصورة “الناجح” على حساب تطوير الذات. ولذلك، فإن تقديم النفس كطالب دائم للمعرفة هو نوع من التحليل المفقود في مجتمعاتنا.
هذا التوجه نحو الجبن الجماعي يفرز أجيالاً تتربى على الخوف من الفشل والرفض، فتُعزز بذلك افتراضات مغلوطة عن أن المعرفة والمخاطرة ليست أكثر من أمور مُكلفة وغير مأمونة العواقب. لكن، إلى متى سنضع أيدينا على آذاننا ونعيش في ظل خوفنا؟ إن النتائج تتعدى الأفراد لتشمل المجتمع بأسره. فالأمة التي تتهرب من مواجهة الحقائق وتخفي عيوبها لا يمكن أن ترسم مستقبلًا مشرقًا.
إذن، كيف يمكننا كسر حلقة الجبن هذه؟ البداية تتمثل في إعادة بناء ثقافة الحوار والنقد. يجب علينا تشجيع الأفراد على التعبير عن آرائهم بلا خوف من العقاب الاجتماعي. لنشجع النقاشات الجريئة التي تتناول القضايا الحساسة، إذ أن الانفتاح على الآخر هو ما يمنحنا إمكانية فهم أعمق. وبدلًا من ممارسة ثقافة الصمت، علينا قلب القنوات المظلمة إلى مساحات جادة للتغيير.
إن استثمارنا في التعليم بما يضمن جيلًا يعي قدراته وحقوقه هو السبيل للبناء. يتوجب علينا تعليم الأفراد كيفية التفكير النقدي بدلاً من تكرار المعلومات. هنا تأتي الحاجة إلى قادة يدركون أن مسؤوليتهم لا تقتصر على تقديم المعلومات، بل تشمل تمكين الطلاب والناس من فهم كيفية استخدام المعرفة.
وبينما ننخرط في هذه العملية، علينا أن نفهم أن الجبن ليس مخاطرة فردية بل ظاهرة جماعية. نحن بحاجة لمواجهة مخاوفنا معًا كأمة، لأن التغيير سيظل مستحيلًا ما لم نكن جميعًا مستعدين لاستعادة هويتنا ومنهجية تفكيرنا. لنعد إلى جذورنا الثقافية، حيث تأصلت القيم الإنسانية كاحترام العلم والكرامة.
في النهاية، إذا كنا نأمل في بناء مستقبل أفضل، فبتنا بحاجة إلى شجاعة جديدة. علينا أن نتذكر أن الحقائق ليست نصوصًا مقدسة، بل هي مسائل قابلة للنقاش ومواضيع يتم إعادة صياغتها على الدوام. ينبغي علينا أن نكون أولئك الذين يغرسون بذور التغيير، للأجيال القادمة. فالجبناء قد يسعون إلى الراحة، لكن المواطنين الشرفاء يختارون الطريق الأصعب، لأنه في نهاية المطاف، البطولة هي أن تكون جزءًا من الحل، وليس جزءًا من المشكلة.
Views: 48







