غياب الكتاب والمثقفين: علامة انكسار في الثقافة العربية

جسر التواصل28 يناير 2026آخر تحديث :
غياب الكتاب والمثقفين: علامة انكسار في الثقافة العربية

 

في خضم التحولات السياسية والاجتماعية التي تمر بها البلدان العربية، يتجلى غياب الكتاب والمثقفين كأحد الظواهر البارزة التي تستدعي الوقوف عندها. فإن غياب هؤلاء عن الساحة ليس مجرد نقص في الوجود، بل هو علامة على انكسار ثقافي واهتزاز الهوية. ووسط هذا السياق المتشابك، يبرز عبد العزيز الخطابي، الفلكي والمنجم المغربي، كإحدى الشخصيات التي تمثل هذا الواقع المؤلم. رغم انجازاته المرموقة، مثل حصوله على جائزة لينين وجائزة جامعة ناصر للتعليم العالي، بالإضافة إلى تقديره من قبل المرحوم الأستاذ نجيب محفوظ، إلا أن صوته لا يزال غائبًا في سجال الثقافة العربية الذي يتزايد فيه الهامش.

يشير الخطابي إلى أن ما يؤرقه هو غياب بلده عن دعم الكتاب والمثقفين في ظل تفضيل الدولة للأحزاب السياسية والأشخاص الذين يمثلون وجهات نظر سلبية. يتساءل بوضوح: “لماذا تتجاهل الدولة الكتاب والمثقفين؟”. هذا التساؤل ليس مجرد استنكار، بل هو دعوة للتأمل في غياب المركز الثقافي واحتضانه للمواهب. إن استشراء هذه الظاهرة يمثل دعوة للقلق، إذ إن الثقافة ليست ترفاً، بل حاجة أساسية لصياغة فكر مجتمعي قادر على التغيير.

لم تعد مآسي المثقفين تتعلق فقط بعدم الاحتفاء بهم، بل تتجاوز ذلك إلى تعزيز استدامة الأفكار السطحية واللامسؤولة التي قد تهيمن على الخطاب الجماهيري. الظروف السياسية والاقتصادية، التي تشهد توجهاً كبيراً نحو تقدير المال والسلطة على حساب الفكر والثقافة، تقود هذه العملية. في ظل هذا المد، نجد أن المؤسسات الثقافية التي من المفترض أن تكون حاضنة للإبداع تعاني من نقص الدعم والتمويل، ما يعيق نمو المشاريع الأدبية والفكرية الصحيحة.

على الرغم من كل المحن، يظهر المثقفون مثل الخطابي كأنموذج للأمل والتحدي. أفرغت بلادهم من الثروات الثقافية، ويرفضون الاستسلام لهذا الواقع. هم أناس مستعدون للدفاع عن هويتهم الثقافية والعربية بشكل عام، على الرغم من الصعوبات.

لا تحمل الأسئلة المطروحة إجابات سهلة، بل تتضمن مبحثاً عميقاً حول أولويات الحكومات وتوجهاتها. لماذا تُفضل هذه الحكومات تسليط الضوء على أولئك الذين لا يقدمون قيمة حقيقية لمسيرة المجتمع؟ لماذا يتم تجاهل أولئك الذين يسعون جاهدين لرفع الوعي الثقافي وفتح آفاق جديدة للفكر والنقاش؟

في النهاية، إن غياب الكتاب والمثقفين عن المشهد الثقافي والسياسي يمثل فراغًا عميقًا يدعو للقلق. يجب أن نعتنق ثقافة الاحتفاء بالمفكرين والكُتّاب، وأن نُعيد البوصلة نحو أولوياتنا الصحيحة، لأن الثقافة ليست خيارًا، بل هي ضرورة. إن الأمل معقود على أن يأتي يوم نستعيد فيه المثقفين دورهم الحقيقي، ونلتفت للإسهامات التي بإمكانهم تقديمها في بناء مجتمع واعٍ وقادر على مواجهة التحديات المتعددة. الثقافة هي الذاكرة، وذاكرة الأمم لا تُنسى، لذا فلندافع عنها بكل ما أوتينا من قوة.

 

Views: 101

الاخبار العاجلة