
طارق المعروفي
تشهد الساحة الرقمية في السنوات الأخيرة ارتفاعًا واضحًا في أصوات أفراد يتبنون خطابًا إلحاديًا موجّهًا، يوظّفون من خلاله المنصات الإلكترونية والمنابر الإعلامية لإعادة صياغة النقاش العام حول الدين الإسلامي ، بهدف زعزعة المرجعية الدينية في المجتمع . ويعتمد هؤلاء على استراتيجيات تواصلية مكثفة، تستند إلى إعادة تأطير مفاهيم الحرية الفردية وحقوق الإنسان والمساواة، من أجل تمرير رسائل اختزالية تُحمّل الإسلام – تعسفًا – مسؤولية التخلف أو الفشل التنموي، وتقدّم القطيعة مع الدين كخيار تنموي بديل.
ما يلفت الانتباه أنّ هذه الخطابات، لا تُطرح بصيغة فكرية خالصة، أو في سياق نقاش علمي سليم، بل تُغلّف بعبارات براقة من قبيل “الحرية” و”المساواة” و”حقوق الإنسان” و”تحرير المرأة”. وهي شعارات في جوهرها نبيلة، لكنها – في هذا السياق – تُستعمل كواجهة جذّابة لاستقطاب الشباب، وإقناعهم بأنّ القيم الأصيلة للمجتمع عقبة أمام التطور، وأنّ حماية الأسرة والتمسك بالهوية الدينية يتناقضان مع الحرية الفردية.
و تعتمد هذه الفئة على استغلال الخطاب الحقوقي العالمي، لا باعتباره إطارًا إنسانيًا عامًا، بل كوسيلة لخلق صدام رمزي بين القيم الدينية الراسخة والمرجعيات الفكرية الوافدة. ويتم الانتقاء الخطابي للمفاهيم بطريقة تجعل أي تمسّك بالدين يبدو شكلًا من “الرجعية”، بينما يُقدّم التحرر من الدين كعلامة “حداثة”.
وتشير الدراسات الحديثة في علوم الاتصال إلى أن هذا النوع من الخطاب، و هو ما نسميه بالتسويق المفاهيمي ، يهدف إلى إعادة تعريف الواقع بما يخدم أجندة محددة .
وفي هذا الإطار،يُعد استهداف الشباب أمرًا بالغ الخطورة، لأن الشباب يمثلون القاعدة العريضة التي يقوم عليها الاستقرار الاجتماعي والسياسي. وبالتالي، فإن ترويج الشكوك في العقيدة، والتقليل من شأن المؤسسة الأسرية، والتشكيك في الرموز الوطنية، قد يؤدي إلى هشاشة انتماء الهوية ،وإلى إعادة تشكيل الولاءات خارج الإطار الوطني.
أما من حيث الثوابت التي يرتكز عليها الوطن و هي : الدين الإسلامي كعنصر موحد و مصدر للشرعية الأخلاقية ، و الملكية الدستورية باعتبارها الضامن للاستقرار السياسي و التوازن المؤسساتي ، ثم الوحدة الترابية التي تشكل الإطار الجغرافي للهوية الوطنية . هذه التوابث لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقف ضدها أي مخلوق . و هكذا يُجمع الباحثون في العلوم السياسية على أن الدول التي تمتلك ثوابت مرجعية قوية، تكون أكثر قدرة على الصمود في وجه التفكك الثقافي والاضطرابات الاجتماعية.
إن ظاهرة الخطاب الإلحادي الرقمي ليست مجرد اختلاف فكري، بل مشروع تفكيك هوياتي يستهدف ركائز المجتمع المغربي تحت غطاء الحداثة. والتصدي لهذا المشروع يستلزم وعيًا جماعيًا، واستراتيجية معرفية حازمة، وحماية مستمرة للثوابت التي ضمنت للمغرب توازنه.
إن الحفاظ على الثوابت ليس مجرد خيار، بل واجب مجتمعي لحماية هوية مغربية متجذرة في التاريخ، قوية بتنوعها، وغنية بقيمها، قادرة على استيعاب الحداثة دون التفريط في الأصالة. وأي مشروع تنموي حقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار احترام هذه الركائز، لا بمحاولة هدمها أو تجاوزها.
Views: 30







