الملكية الفكرية وحقوق التأليف

حق المؤلف بين البعث والعبث

بقلم : الاستاذ عبد السعيد الشرقاوي

الخبير والوسيط والحكم الدولي في الملكية الفكرية

– “أم كلثوم تعود للحياة بـتقنية “الهولوجرام” وتغني من جديد في مصر”؛
– و”تشارك بحفل فني جماهيري في مهرجان (شتاء طنطورة) بمدينة العلا السعودية، حيث تظهر فيه الفنانة الراحلة واقفة وهي تُغني على خشبة المسرح عبر تقنية “الهولوجرام” والاستعانة بالفنانة المصرية “صابرين”، وذلك من أجل تجسيد شخصية أم كلثوم وطريقتها على المسرح، ومن ثم إعادتها بالكامل بالموجات فوق الصوتية”؛
– وفي الإمارات العربية المتحدة، استضافت دبي أوبرا “ليلة من الطرب العربي الأصيل في الحفل الهولوجرامي الأول للفنانة الراحلة أم كلثوم “كوكب الشرق”؛ وذلك بصحبة الأوركسترا وبمشاركة حفيدة أم كلثوم ونجمة برنامج “آراب غوت تالنت” سناء نبيل”.
مما جعل من هذه “التقنية” موضوع نزاع بين شركتين؛ حيث تدعي الأولى أنها المالكة الأصلية لحقوق “خلق وإحياء أم كلثوم”، وأن جميع “حقوق البعث والنشر وإعادة النشر والاستنساخ والحشر والعرض والنقل والإظهار للخلائق…” محفوظة لها دون سواها: “لأن أجزاء من محتوى هذا الهولوجرام تم استخدامها بطريقة غير قانونية من قبل شركة تسويق أخرى (غير إماراتية في دبي) بعد إرسال عينات لهم للاستخدام التسويقي الخاص بمشروع سابق في دولة الإمارات العربية الشقيقة وبشكل حصري، حيث قاموا برفع العلامة المائية واستخدامه في فيديو تسويقي لحفل في المملكة العربية السعودية الشقيقة بلا إذن أو موافقة مسبقة.”
وهو الأمر الذي لم يفاجئنا في شيء، طالما أننا توقعناه وتناولناه بالشرح والتحليل منذ أزيد من أربعة عقود؛ وتطرقنا لأبعاده وآثاره السلبية والإيجابية من خلال عملنا الصادر عام 2008 بعنوان ” دستور الملكية الفكرية: أسس النشوء والارتقاء…” حيث قلنا آنذاك أن تقنية “سيسيليا” مشابهة لتقنية “مورفينغ” التي أدخلت أصوات وحركات مختلفة لأشخاص معروفين إلى أفلام التسعينات من القرن الماضي. وفي كلا النظامين، يجري “استنساخ” عينات من السمات أو البصمات الصوتية الأصلية، ثم تجزأ وتجمع من جديد في الكومبيوتر بنماذج مختلفة مثل تركيب أغنية جديدة، أو حديث بصوت الشخص المتوفى…”
كما عملنا شخصيا، منذ أمد غير قريب، على تأطير مثل هذه القضية تأطيرا قانونيا يناسب
قيم الحضارية الإنسانية وهويتنا الخصوصية من جهة، ولا يتناقض مع مقتضيات الاتفاقيات العالمية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية التي تستهدف تشجيع الخلق الأصيل وحماية حقوق التأليف والنشر “لا ترتبط بنوع التعبير ولا بشكله ولا بنوعية المصنف وهدفه”.
وقد كان المؤلف دائما، منذ القدم، يخلق أعماله (يبدع مصنفاته) بالوسائل المتاحة له في العصر الذي يعيش فيه. حيث أتاح اكتشاف الليزر النحت بالليزر؛ وفتحت تقنية الهولوغراف آفاقا جديدة لفنون التصوير (رقميا عبر صور مجسمة).
وهو ما جعل حقوق المؤلف ترتبط ارتباطا وثيقا بالتطور التكنولوجي، منذ اكتشاف الحروف المطبعية المتحركة في القرن الخامس عشر، والتي بقيت تتطور وتتوالد وتتزايد حتى أصبح عالم حقوق المؤلف يشمل اليوم مجموعة عريضة من الوسائل والوسائط، بدءا من الكتاب إلى الهولوغرافيا، أي: من الكتابة الخطية إلى الكتابة المطبعية، والكتابة الرقمية، والكتابة الإلكترونية، والكتابة الضوئية والكتابة (بالشعاع) الليزرية “الهولوغرافيا”.
وما “الهولوغرافيا” (في الأصل) إلا “وصية موقعة ومؤرخة ومكتوبة بالكامل بخط يد الشخص الوصي”.
– فهل تركت أم كلثوم وصية في الموضوع؟
– وهل ترك الموسيقار عبد القادر الراشدي (مثلا) وصية بإعادة توزيع أغنية “خيي”؟
– وهل استفاد اقتصاديا أي بلد عربي أو كاتب في بلد عربي إسلامي (أديب، عالم، صحفي…) من حقوق التأليف والنشر منذ اختراع “تقنية الكتابة” الأولى أو الأخيرة؟
ومن ثم نخلص إلى أن “الكتاب” لا معرفة لهم بحقوقهم المشروعة… وأن الحكومات العربية لا نموذج لها (قديم أو جديد) للتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى