كُورُونَا: أين حُقوقُ “الاحتِجازِ”؟!

جسر التواصل24 مايو 2020آخر تحديث :
كُورُونَا: أين حُقوقُ “الاحتِجازِ”؟!

أحمدإفزارن
ليسَ “احتِجازًا” ذاتِيّا، أو “حَجزًا” للآخَر..
هذا تعبيرٌ مَجازِي يَستَهدِفُ “الحِجرَ الصّحّي” المَعمُولَ به عالمِيّا، بقُوّةِ “قانُونِ الطّوارئ”..
ولا أحدَ يقِفُ ضدّ “الطّوارئ” الصّحيّة..
ولكن عندنا إشكاليةُ كونِ “الحِجرِ الصّحّي” أمامَ مِكياليْن: أغنيّاء وفُقراء..
الأغنياءُ لهُم مِكيالُهُم: الإمكانيّات.. التّنقّل.. التّحرّك.. الإقامة.. الحُرّيّة…
لهُم فيلاّت وضيعاتٌ ومَصانِعُ وأرصِدةٌ في الدّاخِل والخارج..
ولا يعرفُون الحِجرَ الصّحّي، أو العَزلَ الاجتماعي، أو “الاحتِجاز” الذاتي داخلَ أربعة جُدرَان، بمُوجبِ حالةِ الطّوارئ..
ولا يحتاجُون لتعويضَاتٍ حُكوميّة، لأنهُم أصلاً لهُم من الرّيعِ ما يكفي وأكثر، ومنَ الأراضي، ومِنَ الثّرواتِ في الداخلِ والخارج..
هؤلاء لهُم من الحُرّية ما يكفِي وأكثَر..
ولا يُحِسّون بمُعاناة الفُقراء، داخلَ الجُدران..
– أليست دُولُ العالم تُقدّم تعوِيضاتٍ مُتنوّعةً عَنِ “الحِجرِ الصّحّي”؟ ومُساعَداتٍ غَذائيةً وغيرَها طيلةَ مُدّةِ “حالةِ الطّوارئ”؟
المُشكلُ قائمٌ للفُقراء.. الفُقراءُ وحدَهُم مَعنيّون..
والفُقراءُ هم نحنُ في بلدِنا..
ونحنُ أكثرُ مِن نِصفِ سُكّان البَلَد، لا تحتَ سَقفِ الفَقرِ فقط، بل أيضًا تحتَ مُعاناةٍ لأمرَاضٍ عقليةٍ ونَفسيّة..
والفقرُ – كما هو مُتَعارَفٌ عليه عالميّا – هو العَجزُ عن مُواجَهةِ الاحتِياجاتِ اليوميّة، من سَكنٍ وتغذيةٍ وصِحّةٍ وتعليمٍ وغيرِ هذهِ من مُتطلّباتِ الحياةِ اليوميّة.. وقد عرّفَت الأممُ المتحدةُ الفقرَ المُدقِعَ عام 1995 بأنهُ “حالةٌ تتّسمُ بالحِرمانِ الشّديد منَ الاحتياجاتِ الإنسانيةِ الأساسية، بما في فيها مياهُ الشُّرب، ومَرافِقُ الصّرف الصّحي، وغيرُها…
وفي هذا الواقِع الاجتِماعي المُزرِي، أغلبيةُ الأُسَرِ عندنا عاجِزةٌ عن مُواجهة مُتطلّباتِ أسبُوعٍ واحدٍ بدُون مَوارِدَ ماليّة، في غيابِ شُغلٍ قارّ..
ويَزدادُ الضّغطُ على الأُسرَةِ المَحرُومةِ من حقوقِها في العَدالة الاجتِماعية، ونحنُ أمامَ حُكومةٍ مُتحزّبةٍ يقودُها مُتدَيٍنُون مُتطرّفُون، ولا تَخدُمُ البلَد، ولا سُكّانَ البَلد، بقَدرِ خِدمتِها لأباطرةِ المال، وما خلفَ بعضِ المالِ من فساد..
وفي هذا الفَضاء المُتَشنّج، يجدُ الفُقراءُ أنفُسَهُم بين سِندانِ حُكومةِ اللاّمُبالاة، ومِطرقةِ أحزابِ البُورجوَازيّة المُتوحّشة..
والضّغطُ الأكبرُ يَقعُ على الأُسرَةِ الفَقِيرة التي تُشكّلَ أغلبيّةَ سُكّانِ البلد..
وفي غيابِ العدالةِ الاجتِماعيّة، ومسؤوليةِ “دَولةِ المؤسّسات”، وفي خِضمّ انتِشارِ الأُميّةِ والجهلِ والمزيدِ من التّفقير، تأتِي جُرثُومةُ “كُورُونَا” لتَضغطَ أكثر على واقِع فُقراءَ لا يَملِكُون حُلولا، بل فقط وعيًا اجتماعيّا رُبّما يتَطَوّر، ورُبّما يَصلُ إلى مُستَوى “ثورةِ الخُبز”..
طريقُنا مُتَشَنّجةٌ أمام حكومةٍ ونُخبةٍ سياسيّة لا تُريدُنا إلاّ فُقراء، جُهَلاء، عاطِلين، وبلا صِحّة، ولا أدنَى حقُوق..
– بلادُنا واقفةٌ على بُركان!
وهؤلاء المسؤولُون لا يقبَلون أيةَ حلُول..
وما زالوا يُغرِقون بلادَنا في قروضٍ تِلوَ قُرُوضٍ منَ الأبناكِ الدّوليّة..
وهذا هو التّشريحُ العامّ لمَسارِ الحُكومة..
والأُسرةُ المغربيةُ تُشِيرُ إليها أجهزةُ الحُكومةِ بالمسؤوليةِ في انتشارِ فَيرُوس “كُورُونَا”..
الفُقراءُ لا يَلتَزِمُون بالحِجرِ الصّحّي..
يتَقاربُون في الأسواق، حيث يَشترُون الخُبزَ والخُضَر.. وفي المَنازلِ يَتقارَبُون مع الجِيران والزّوار.. ولا يَنفعُ العَزلُ الاحتِرازي..
– هكذا تُلمّحُ الحُكومة..
ولكنها لا تقُول شيئا عن التّشغيل.. ولا تُجيبُ شبابًا يسألونَها: “كيف نبقَى في المنزل، ونحن بلا مَدخُول؟”..
والسؤالُ يقُودُ لآخر: “أينَ هي ميزانيةُ “كُورُونَا”؟ أين الصّندُوق؟ وما العمل؟ نحنُ لا نتحرّك، لأنّ هذا ممنُوع.. ولا ندخُلُ ولا نَخرُج، لأنهُ مَمنُوع؟ ومن أين نأتي بمُتطلّباتِ الحياة؟ الأغنياءُ عِندَهُم فيلاّت وضَيعات وأموالٌ بلا حُدود، ولا أحدَ يُحاسبُهم.. ونحنُ الفُقراءُ نُتّهَمُ بالمَسؤولية عن “كُورُونَا”، وحَوادثِ السّير، وبالصُّراخ في الطُّرُق الرابطةِ بين البوادي والحَواضِر”…
– هكذا يقُولُ الفُقراء..
ويُضيفُون: ” أخَذتُم حُرّيتَنا؟ وأصبَحنا مَسجُونِين بين جُدرانٍ أربعة، فأين هي مُستلزَماتُ العَزلِ الصّحّي؟ ألسنا بَشَرًا مِثلَكُم؟ نحنُ لا نرفضُ الحِجرَ الصّحّي، ولكن أين هي حُقوقُ هذا الحِجر؟”..
والحكومةُ صامِتة..
والغَباءُ لا يُنتِجُ إلا مزيدًا من الغَباء..
الغَباءُ لا يَرى أمامَه إلا طَرفًا واحدًا من سُكانِ البلد، وهو الفقير.. الضعيف.. الحائطُ القصِير..
أين هو الدّستور؟ أين المَواثيقُ الدّولية؟ أين حقوقُ الإنسان؟ أين حُقوقُ الاحتِجازِ الذاتي بينَ الجُدرَان؟”..
ifzahmed66@gmail.com

الاخبار العاجلة