ديوان : “مرافئ البوح” للشاعرة سميرة المنصوري العزوزي : قراءة عاشقة للديوان تحت عنوان: ” عرض حال الذات في مراتب الخطاب الشعري الهادئ والشفيف.

جسر التواصل28 مارس 2024آخر تحديث :
ديوان : “مرافئ البوح” للشاعرة سميرة المنصوري العزوزي : قراءة عاشقة للديوان تحت عنوان: ” عرض حال الذات في مراتب الخطاب الشعري الهادئ والشفيف.

كريم القيشوري 

– 1 –
ابتداء : القراءة العاشقة ليست مادة نقدية، وإنما هي وسيلة لتعويض الفعل القرائي وتخفيف حدة النقد الدراسي وتليين تلقيه.
مرافئ البوح :
– علاقة النص بالعنوان ؟
العلاقات النصية بين العنوان والبنية النصية هي علاقة تقارب دلالي، وعلاقة سببية وعلاقة الإجمال بالتفصيل، وعلاقة التقابل الدلالي..

ديوان ” مرافئ البوح” يدخل في هذا الإطار العلاقي الموسوم بثلة من المتوازيات النصية التي تسهم في تلقي النصوص من الجهتين الدلالية والتركيبية. فالنص الموازي هو عنصر ضروري في تشكيل الدلالة وإثراء المعنى، ومن هنا فمن الضروري دراسة العتبات وتفكيك المصاحبات التناصية، واستكشاف الدوال الرمزية وإيضاح الخارج قصد إضاءة الداخل.

إطلالتنا على ديوان” مرافئ البوح” للشاعرة سميرة المنصوري العزوزي، تنطلق من خلال عتبته/لوحته/الدفة الأولى والمعبرة عن لوحة تشكيلية اتخذت من البياض منصة للعرض، برمز ريشة للتحليق في الفضاء كما الطيور، أو التحليق في الخيال بالحواس والشعور، في إحالة ضمنية على الكتابة بالريشة..
مثلث هذه الإشارة الرمزية معطى دلاليا ذكيا في خلق منجز بصري مشوق، جدير بالتأمل والدرس، مشفوعا بكتابة حروفية من فن الخط العربي الأصيل، متصدرا بعنوان يحيل على المتضمن الخفي في صيغة ترحيبية من جملة إسمية وسمت ب :” مرافئ البوح” مكتوبة بخط كوفي جميل، وبلون أحمر قان مثير. ولا يخفى في أن اللون الأحمر يمثل لونا نموذجيا في تعدد الاستخدامات. في الشعر فقد يمثل الغواية والقراءة في جانب منه، وقد يمثل العنف والموت،أو يشير أيضا للبعث والولادة، كما يعبر أيضا عن الحض على التوقف امتثالا لما تقره أدبيات قانون السير.
يعلو دفة الديوان اسم الشاعرة ” سميرة المنصوري العزوزي ” ممتد في شكل أفقي باللون الأسود، وعند أخمص الديوان، حدد جنس المكتوب المنتمي للواء مدونة الشعر، بنفس لون اسم الشاعرة المثبت على رأس لوحة الديوان.
افتتاحية الديوان دبجتها الشاعرة سميرة بمقطع شعري لشاعر المرأة ” نزار قباني” كإحالة انتصار للمرأة يقول فيه : الأنثى لا تريد رجلا ثريا
أو وسيما أو حتى شاعرا
هي تريد رجلا يفهم عينيها إذا حزنت
فيشير بيده إلى صدره ويقول :
( هنا وطنك).
في خلفية الديوان تربعت صورة الشاعرة البهية وهي تنتشي بجنسها الأنثوي من خلال قصيدتها ” في البدء كانت الأنثى..” وهو اختيار – في نظري- موفق لما تضمنته القصيدة من حوارية نقدية بين آدم وحواء كرمز علائقي بين الرجل والمرأة، الذكر والأنثى، وما تمثله العلاقة الإنسية بينهما والتي اتخذت شكلا معينا، خاصة على مستوى النظر إلى المرأة نظرة دونية، خلقت نوعا من الهوة العلائقية المهيبة التي تصححها الشاعرة بقول استدراكي- تأكيدي في مختتم القصيدة الذي تقول فيه : لكن حواء كانت البدء..وكانت ما بعد النهاية.
نرجع لعنوان الديوان باعتباره أول عتبة يصل من خلالها المتلقي لالتقاط خيوط نور تساعده على تلمس الطريق وسط متاهاته الغائرة، والكشف عن الرؤيا الشعرية الثاوية والمتخفية وراء لغة شفافة، وصور تشكل عالما شعريا يرفل بالحياة ومتناقضاتها..
صيغ العنوان ضمن بنية تركيبية نحوية اسمية قائمة على الإضافة، حيث أضيف دال “مرافئ” الذي يحيل على الرسو، إلى مدلول ” البوح” مضاف إليه والمعبر عما تختزنه الذاكرة وما تمور به النفس، من أحاسيس وعواطف ومشاعر ومواقف ورؤى وذكريات..وهنا يمكن طرح السؤال التالي: هل للبوح مرافئ ؟
سؤال إشكالي/ شاعري- إن صح التعبير – يتطلب إجابة إبداعية فنية غنية بالدلالات. ذاك ما عبرت عنه شاعرتنا في كلمتها المتضمنة في الديوان كإهداء قائلة : ” للبوح مرافئ ومدارج ومعارج ومذاهب ومسالك ومراق ومنعطفات..”
إجابة شاملة مانعة لكل متخيل أو تأويل، يمكن أن يكون مبتدؤه الانطلاق نحو الإبحار، التحليق، الارتقاء، التعريج في فضاءات العلم والفكر والأدب والثقافة والفن..بالمجمل كل ما يمور في جوانيتنا، والتعبير عنه بشكل من الأشكال. وهذا يتقاطع مع ما ألمحت إليه شاعرتنا من خلال الضوء المسلط على تجربتها من قبل الشاعر والكاتب المسرحي ” كمال الأيوبي ” في تقديم الديوان الذي اعتبره موفقا باعتماد شروط العمل الإبداعي والفني التي تشكل ثمرة المجهود الإبداعي الخالص والتي حددها في ثالوث: 1- الشاعر. 2- القصيدة..3- المتلقي.
– الشاعر باعتباره روح وفكر ورؤيا.. منتج بأداة اللغة.
– القصيدة والتي يجب أن تلامس وجدان المتلقي تارة، وتثير فيه قلق السؤال أخرى.
– المتلقي الذي يربط علاقة استكشاف للنص تتماهى معه وقد يتناقض حسب قدرته على تشكيل النص من جديد. ومنحه الامتداد الذي يستحقه. فحين يجتمع ابداع القصيد والقصيدة في كيان المبدعة سميرة، فأكيد لغة تصريف المٌنتَج تنتج المختلف الذي يجمع بين الشعر والسرد.
ديوان : ” مرافئ البوح ” يمكن اعتباره تجاوزا سيرة ذاتية. ألم يقال : ” الشعر سيرة ذاتية ، والقصيدة خير من يعرف الشاعر ؟” هذا يحيلنا أيضا للحديث عن : الكتابة عند المرأة.
====/////====
– 2 –
يقال إن الكتابة عند المرأة إنما هي عبارة عن تفجير للمكبوت والمخفي الذي تعانيه المرأة الكاتبة عبر مسيرة حياتها الثقافية، إضافة إلى الصعوبات والعراقيل الكبيرة، والتأثيرات الاجتماعية والأدبية والنفسية من خلال النظرة الضيقة لدورها من قبل الرجال والمجتمع بصفة عامة، وبالحديث عن كتابات المرأة نستحضر الرجل في سياق ذلك، لا لشيء إلا أن هناك شيئا لا واعيا في الرجل.
وكما تقول ” سيمون دي بوفوار” عن المرأة/الأنثى : ” إن الأنثى لا تولد امرأة، لكن تصبح كذلك، فإن هذا الأمر يبدو مرتكزا أساسيا للبحث في علاقة النساء بالكتابة، باعتبار النص جسدا/ فضاء يمكن التعبير من خلاله بحرية عن هواجسهن “
المرأة منتجة للحياة ووظيفتها ليست بيولوجية فقط، لأن الكتابة أيضا فعل إخصاب، وكذلك المرأة لم تعد تضطلع بو

.المرأة منتجة للحياة ووظيفتها ليست بيولوجية فقط، لأن الكتابة أيضا فعل إخصاب، وكذلك المرأة لم تعد تضطلع بوظائف تقليدية، تتمحور فقط، حول علاقتها بالأسرة والبيت، لكنها عنصر ديناميكي في مجتمعات تشهد قيام تحولات كبرى، وعليها أن تنهض بما يتماشى مع العصر من تبديل وتحوير في نمطية الأدوار التي كانت تلعبها سابقا.
الكتابة عند الشاعرة سميرة المنصوري هي بلوغ الرؤيا وتجاوز عتبة الواقع العيني، واختراق البعد اللامرئي فيه، حيث تتراءى الحياة رموزا ودلالات وإشارات إيحائية تؤول العالم، وتعيد امتلاكه، وتحقق كينونة الإنسان باعتباره ظاهرة متعددة،وباعتباره قابلا للكشف وإعادة التأويل.
كما أنها بلورت رؤية استشرافية في سياق مدلولات حسية تأرجحت بين الواقع والخيال، انطلقت من قصائد قصيرة مكثفة، توهج فيها العشق كمنارة نور تشع محبة، بلغة شفيفة وبإشراقات شعرية واضحة،
تندرج في مراتب الخطاب الشعري الهادئ والشفيف، والشبيه بالمباشر إلى دون أن يكونه، عبر أسلوب قصيدة النثر.
تروي الشاعرة وفي عملية استبطان ذكية، كيف تضبط مشاعرها، وكيف تستثمر صراخها وصمتها، حزنها هلوساتها، أوهامها أحاسيسها في التعبير بوحا عما يخالج ذاتها مثل ما تضمنته قصائد: هدير الصمت ص31. رثاء مدينة ص 79. أنا الدنيا ص 89. صرخة أنثى ص100.
كما يحلو للشاعرة سميرة أن تستخدم لعبة النفي أو استراتيجيتها المتواترة والتي تعادل في دلالاتها المواربة، الإيجاب من أجل أن تثبت حدوث الأسى والألم..مصداقا لهذا الاستنتاج، فإن ندرة تواتر لازمة النفي في مقابلة غلبة الجمل المثبتة، سرعان ما تكشف للقارئ عن المقلب الآخر، بل الدلالة المواربة التي قصدت إليها الشاعرة والتي مفادها أن هذا حدث كله من قبل.
قصيدة : ” أغمض عينيك” ص 43.
وقعنا في الأسى من دون أن تتكبد الشاعرة عناء ابتكار صور شعرية ذات حمولات شعورية دالة على الحالة، وفي هذا إيثار لبعض التراكيب “الأساليب الخبرية ” على البلاغة.
يمكن القول إن ثمة غنائية شفيفة، و غير صارخة في شعر سميرة، وهي تترجم عن شعرية مستفادة من عرض حال الذات في قيد تكونها وتموضعاتها، وانكساراتها وجموحها،و قبولها ورفضها..وجهات نظر غير مألوفة في سيرورة التقصي والتوليد، و السرد والتعليق..
تعود الشاعرة إلى أسلوب البوح المباشر تعبيرا عن أزمة جوانية، تعجز عن التصعيد بحياتها إلى أعلى ما تحياه في الواقع، إلى المثال المتواري طي الشعر.
تواصل الشاعرة سميرة المنصوري العزوزي ما بقي من القصائد استخدام مداوراتها الأسلوبية واستراتيجياتها، من مثل تفخيمها الكنايات وتوسيعها كما في قصيدة : ” يا وطن ” ص 25
حيث تقول : قلت لجلادي: أنا هدير الغضب
وأنا صخب الأمواج
أنا شبه ارتعاشة
لم تجد الوقت الكافي للاختلاج.
كما تلجؤ الشاعرة إلى التأمل الهادئ في قصيدة : ” سوف يعود الشتاء “ص 53.
وفي حمل الرسالة أو عدمه، وفي العمر والسنوات، وفي لزوم التمييز بين الواقع والحلم/المدح والذم/العشق والهيام..إلى جانب تمثلاتها وأمثلتها، وأن تقر بعجزها عن بلوغها، فهي ترسم خطا تصاعديا لذات الغد.
نقف على أن حقيقة الشاعرة سميرة المنصوري العزوزي ما كانت لتكتب قصائدها بعيدا عن هذا التكثيف المرموز، فهو بين قبض وبسط، وطي ونشر، وإخفاء وإظهار، تهزها في ذلك حالة الوجد التي انعكست على اللغة الشعرية. فالرمز ينفتح باتجاه الصورة.الرمز بتفاصيل الكناية والاستعارة، والاستعارة والتجسيم..بسعة تجعل النص في موضع دائرة المجهول الضيق في العبارة، مثلما قال النفري: ” كلما اتسعت الرؤى ضاقت العبارة “.
فبعد القبض والبسط، يأتي البوح عن غوامض العبارة التي هي غاية في الوضوح.
يعتبر ديوان: ” مرافئ البوح ” للشاعرة سميرة المنصوري العزوزي إفراز جمالي جاء كثمرة تلاقح للأجناس الأدبية، وتزاوج بين جنسين أدبيين- الشعر والسرد- تغذيه الدفقة الشعورية الواحدة التي جمعت الجنسين وتفجرت في صورة محكي متسلسل يحرك المشاعر الإنسانية والأحاسيس الفنية، والصور الرمزية التي تحيل تارة إلى الذات، وأخرى إلى العشق والانتصار للأمل، والحب والحياة الطيبة..في خلطة مزيج تجمع الخيال بالواقع ،وتثمر تجربة ذاتية تنبي بمشروع يتبلور يخص الأنثى/ المرأة تحديدا.
=====////====
– 3 –
هل ممكن للشعر أن يتواجد خارج الموسيقى؟
ممكن للشعر أن يتواجد خارج الموسيقى بدليل أن عديد من قصائد ديوان: ” مرافئ البوح ” للشاعرة سميرة المنصوري العزوزي، استطاعت بشعريتها التي تتكئ على بلاغتها الخاصة، وعلى لغتها الخاصة، وعلى موضوعاتها، وعلى التكثيف الذي تشتغل عليه، أن تتواجد خارج الموسيقى.
إن لغة الشعر المعاصر هي لغة صمت بامتياز، حيث تنسق الكلمات بشكل منتظم يسمح للصمت أن يبرز من حين لآخر، ليكسر رتابة الكلام الذي قد يؤدي إلى اختناق اللغة في حال الامتلاء الوافر للكلمات.
إن كل كلام محرك للصمت يمنحه دفعة ملائمة للتبادل الخطابي، كما أن الصمت يحرك الكلام بمنحه زاوية خاصة، بحيث لا يمكن أن يتخلى أحدهما عن الآخر من غير أن يضيع ومن غير أن يكسر خفة اللغة.
لو أرهفنا السمع إلى صوت الصمت لصار كلامنا أقل كما يقول الشاعر ” محمود درويش”.
الصمت فن لا يتقنه الكثيرون، فمن كان مبدعا بصمته أصبح مبدعا بكلامه، والجاهل من يعتقد أن الصمت هو عدم المعرفة أو الخوف من المواجهة، بل الحقيقة أن الصمت هو أساس الحكمة.
إن ما يميز توظيف الشاعرة سميرة للصمت في قصيدتها ” هدير الصمت ” وما تلاها من قصائد ،حريتها في اختيارها لحظات البوح التي قد تطول أو تقصر حسب الدفقة الشعورية، واختيارها للغة التي تتضاءل وتفقر أمام شساعة الوجود ولا محدوديته، فيحتل اللغة الكثير من الصمت، أي صمتها عن ما يحبل به الوجود من تنوع وشساعة..فالشعر يستحضر الصمت ويمتلكه ويطوقه بالكلام، لكي يمنحه سلطة الحضور، فيصبح بذلك الصمت حقيقة جمالية مملتكة لسلطة البوح والانكشاف، عندما يظهر مثل اختلاف لما هو سائد ومألوف.
للصمت كصيغة أخرى للتعبير، بشكل لا يقل إبداعا عن جنوحه إلى الكلام وهو ما يمكن تسميته بلعبة البياض والسواد التي نعثر على تجلياتها في المقاطع التالية.

هذا الصمت يدمرني
يعصف بشجوني
بجنوني..
– مقطع آخر :
للصمت صدى
يعلن عن بعد المدى
أن ذا الشجون ضال
ما تاب ولا اهتدى..
والصمت في مفهوم البلغاء خاصة الجرجاني الذي يقول عنه : ” الصمت عن الإفادة أزيد للإفادة،و تجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن ” إذ يشير إلى فائدة الصمت في موضعه.
وفي قول الشاعر : أشارت بطرف العين خشية أهلها
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا
بلاغة الإمتاع التي يستشعر بها القارئ للديوان راجعة إلى كثافة التصوير المعبرة عن عمق المضامين المبثوثة في ثناياه، والداعية إلى معانقة قيم المحبة والوطنية والصفاء والعطاء والنبل والإثارة والتضامن والتكافل..
وما عناوين القصائد إلا شاهد إثبات لما ندعيه من قيم تم التلميح إليها تارة ، والبوح بها أخرى.
ك– يا وطن. – ” هيباتيا” .- في البدء كانت الأنثى. – آه ياغزة. – الشهيد. – رثاء مدينة. – ميلاد قصيدة. – بكل اللغات..
هذا غيض من فيض الاحتفاء بالكلمة..

الاخبار العاجلة