سياسة

المفيد بعد كوفيد..والمآلات بعد كورونا

محمد بلغازي
هل يمكن النظر إلى الوضع الحالي للعالم من زاوية الوعيد في عباءة كوفيد ؟وهل يمكن اعتبار كورونا هي ” النغزة ” التي كان العالم بحاجة إليها ؟ وكيف لفيروس مجهري أن يلغي كل ترسانات الأسلحة في العالم ويجمد الطائرات وحاملاتها وكل ما تفتقت عنه عبقرية الإنسان ويعلن حربا على الراهن البشري ؟.. لاشك أن العديد من المفاهيم ستتغير وستتخذ المعايير أشكالا أخرى في علاقات الجماعات فيما بينها أوالأفراد إن على مستوى السلوك العام أو على صعيد التعامل اليومي ,, فقد حكمت جرثومة مجهرية عابرة على العالم بكل مؤسساته وهياكله وتناقضاته واختلافاته بالشلل طيلة أكثر من مائة يوم منذ ظهور أول حالة كورونا في مدينة ووهان الصينية أواخر شهر دجنبر 2019 لتسقط العديد من الأقنعة وتنهار صروح كانت إلى زمن قريب تستحوذ على العالم أو هكذا خيل إليها لتجد نفسها منهارة خلف كمامة غير عابئة منذ البداية بالخطر المحذق بها حتى إذا حلت الكارثة تداعت أركانها فارتبكت هياكلها وتبعثرت حساباتها وأصبح خطابها اليومي يستمد عناصره من الإحصائيات اليومية بخصوص أعداد الوفيات والسعي إلى إيجاد طريقة لإيقاف هذا المد القاتل . المآلات لم يعرف العالم المعاصر نكسة شبيهة بما جاءت به كورونا , فحتى الخميس الأسود من سنة 1929 لم يكن بهذه القسوة ذلك أنه طال الجانب المالي تحديدا متسببا في أزمة اقتصادية عالمية لارتباط الإقتصادات فيما بينها وتفاعلات البورصات الكبرى مع انهيار الأسواق والعملات , إلا أن كورونا جاءت بما يشبه نهاية العالم على كل الأصعدة وإن كان الجانب الصحي هو المستهدف فأصيبت المنظومة الرأسمالية في مقتل بتداعي العديد من الشركات لتعم وستعم البطالة كمآل من مآلات النكبة العالمية وذلك بظهور بوادر تفكيك اتحادات واهتراء تنظيمات وتقوقع قوى . وقد ظهر جليا ارتباك الإتحاد الأوروبي في التعاطي مع الأحداث الشيئ الذي أحدث شرخا بين شمال القارة العجوز وبين جنوبها كاشفا عن عورات النظام الصحي الأوروبي ليطال الضرر دولا دون أخرى بنسب متفاوتة كان أبرزها الجحيم الذي انهال على إيطاليا وما كشف عنه من حقائق على المستوى المحلي والقاري , وبعض هذه الحقائق دفعت وزراء مالية الإتحاد الأوروبي إلى الموافقة على تخصيص مبلغ 500 مليار أورو للدول المتضررة بشدة من الوباء عله يساعد في إعادة التوازن لهذه الدول وخاصة على الصعيد الإقتصادي أمام زحف شبح البطالة مهددا أوروبا وباقي دول العالم جراء انهيار العديد من الشركات وانكماش أخرى وتقهقر أنظمة ووسائل الإنتاج عبر العالم , من جهة أخرى أفرزت جائحة كورونا حقيقة أكثر مرارة ويتعلق الأمر ب ” زعامة العالم ” اقتصاديا وسياسيا وقوة وهيمنة .. هذه الزعامة التي تم تقويضها وزعزعتها لتبدو للعيان هشاشة أمريكا ومن يدور في فلكها وذلك لتعاملها الإستهتاري مع الوضع منذ البداية معتبرة إياه مجرد خدعة إعلامية ليبرالية مما أوقع ترامب في خطإ تجاهل الفيروس الشيئ الذي أدى إلى تفشيه في كل الولايات الأمريكية ليستغيث العم سام طالبا العون والمساعدة تارة من أوروبا المفجوعة وتارة أخرى من الصين مشيرا إلى تفاقم الوضع بشكل سيؤدي إلى كارثة كبرى في بلده . عشرات الأسئلة تراود الإعلاميين والمتتبعين للشأن الصحي والإستراتيجي عن حجم تفشي وانتشار الوباء داخل دول دون غيرها ..فقد اصطلت بناره أوروبا وأمريكا فيما لامس / بلطف / القارة الإفريقية وأستراليا وتبقى البؤرة الأساسية هي آسيا بزعامة الصين ومدينتها ووهان . والآن ..ما هو المفيد بعد كوفيد ؟ لاشك أن فجرا جديدا سيبزغ على العالم معلنا عن إنسان جديد وفكر جديد ورؤية جديدة في كل مناحي الحياة وأنماطها في الشرق وفي الغرب على سطح الأرض ..هذا الكوكب الذي تنفس الصعداء كحسنة من حسنات كوفيد التاسع عشر حين ارتاح طيلة ما يفوق المائة يوم من سحب دخان المصانع وعوادم السيارات وغيرها من ملوثات الهواء, ويبقى المفيد بعد كوفيد هو ردود الفعل العالمية على الجائحة من وضع مسارات جديدة في ميزان القوى بين الشرق والغرب أو بين الصين والغرب على الأصح ومآلات ذلك كعواقب سياسية واقتصادية خاصة وأن العديد من اليقينيات والقناعات ستتلاشى , وأن الدعوة إلى / حكومة عالمية / تفرض نفسها بمنظور آخر وسياسات مغايرة بعيدا عن تلاعبات وانبطاحات وعباءة هيئة الأمم المتحدة وعن أفكار تستقي مقوماتها من تعاليم العولة بعد أن عولمت كورونا الخوف والهلع والألم والإنتظار ,,وعولمت أيضا الحلم بعالم آخر وإنسان آخر لتطلع علينا هونغ كونغ بكتابات على الجدران مفادها : ” لن تعود الأمور إلى ما كانت عليه لأن وضعها السابق كان هو المشكلة في الأساس “.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى